السيد محمد تقي المدرسي

78

من هدى القرآن

الكامنة ، وأهدافه ، وتطلعاته ، ويستنقذه من الغفلة ، فما هو ذلك الذكر ؟ . « رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ » قال أكثر المفسرين : إن الذكر هو الرسول ، والذي يبدو لي أن الذكر أعم . إنه الرسول والرسالة ، لأنهما جنبا إلى جنب يكمل أحدهما الآخر ذكر الله للناس ، والرسول ليس منزلا إنما المنزل هي صفة الرسالة التي اشتق اسم الرسول منها ، وهكذا وصف الرسول بالذكر لأنه يتلو آيات بينات ، ومن هنا : لا يكون الذكر الكتاب وحده ، ولا الرسول وحده ، وإنما هما معا . وهما معا يشكلان حالة واحدة لا ينفصلان ولا يفترقان حتى يوم القيامة . والآية هي العلامة والدلالة ، وآيات الله كل ما يعرِّف الإنسان به ويهديه ، فالسماء آية ، والشجر آية ، والمطر آية و . . ، ولكن أجلى الآيات هي التي جاءت بها رسالة الله عز وجل ، والتي وصفها بأنها « مُبَيِّنَاتٍ » لأنها آية في ذاتها وتهدينا إلى سائر آيات الله ، وهذا ما يميز آيات القرآن عن الآيات الطبيعية الأخرى . ثم إنها ترسم الطريق المستقيم ، فتبين الصواب والخطأ ، وما أحوجنا أن نتبعها . أوليست تنصب لنا أنوار الهداية ، كما قال تعالى : « لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ » من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان ، ومن ظلمات الجهل إلى نور العلم ، ومن ظلمات التفرق إلى نور الوحدة و . . . وبعبارة أخرى : من كل شر وظلمة إلى كل خير ونور . ونتساءل : أوليس المؤمنون قد خرجوا فعلا من ظلمة الكفر إلى ضياء التوحيد ، فماذا يعني بيان أن الله يخرجهم من الظلمات إلى النور ؟ . الجواب : للإنسان في البدء فرصتان متساويتان للإيمان وللكفر ، وقلبه كالشفق فيه ضغث من نور وآخر من ظلمة ، وآيات الله لا تكشف له عن النور والظلمة فقط ، بل ترجِّح فيه فرصة الإيمان وتزيد النور الذي في قلبه لتميل به إلى الحق ، ثم ترقى به درجة فدرجة في مدارج النور والكمال حتى يتمحض في الإيمان فيخرج خروجا كليًّا من الظلمات إلى النور ، لأن كل عمل قبيح ونية فاسدة وصفة ذميمة ظلام في القلب ، وكل عمل صالح ونية رشيدة وصفة حميدة نور ، وكلما تزكى القلب وتطهر السلوك من السيئات زاد القلب نورا حتى يصبح العبد من المخلصين ، كالذهب المصفى لا يشوب نور إيمانه أي ظلام ، وهذا مقام أولياء الله المقربين . وهكذا ليست آيات الله بديلا عن سعي الإنسان نفسه ، إنما دورها هو رسم النهج السليم للكمال والرقي ، وعلى الإنسان الاجتهاد للعروج إلى الكمال . « وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً » والرزق ما يعطى للإنسان شيئا فشيئا مما يوحي بأن نعيم المؤمنين في الآخرة لا ينحصر فيما يعطونهم أول مرة ، إنما هو في ازدياد وتكامل يوما بعد يوم .